Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

RSS

Twitter

Facebook

Google+
القائمة الرئيسية
المرئيات والصوتيات
عدد الزوار
انت الزائر :7564297
[يتصفح الموقع حالياً [ 93
الاعضاء :0الزوار :93
تفاصيل المتواجدون
مواقع صديقة

*

المكتبة الوقفية

*

مبادرة البحث العلمي لمقارنة الاديان

*

موقع ابن مريم

المقال
العدو محمد [صلى الله عليه و سلم]
6678 زائر
18-06-2013

العدو محمد [صلى الله عليه و سلم]

الفصل الأول من كتاب "محمد" للكاتبة البريطانية كارين آرمسترونج

ترجمة: د. فاطمة نصر و د. محمد عناني

كان ولا يزال من العسير على أبناء الغرب أن يتفهموا العنف الذي اتسم به رد فعل المسلمين للصورة الخيالية التي رسمها سلمان رشدي للنبي محمد في رواية آيات شيطانيه، وكان من الصعب عليهم أن يصدقوا أن رواية من الروايات يمكن أن تثير درجة من الكراهية تصل إلى حد إهدار الدم، وبدا لهم أن رد الفعل الإسلامي دليل على تعصب إسلامي لا يرجى منه برء، كما أقض مضاجع أبناء بريطانيا إدراك ما تعتنقه الجاليات الإسلامية في البلدان التى ينتمون بها من قيم مختلفة، هي قيم فيما يبدو غريبة عنهم، وأنها على استعدادللدفاع عنها حتى الموت. ولكن هذه القضية المؤسفة كانت تحمل في طياتها بعض ما يذكرنا بصفحات من ماضي الغرب، وهى صفحات تبعث على القلق ، ترى هل استطاع أبناء بريطانيا، وهم يشهدون المسلمين المقيمين في مدينة برادفورد أثناء إحراقهم الرواية المذكورة، أن يقيموا علاقة من لون ما بين ذلك الحدث وبين حوادث إحراق الكتب في أوربا المسيحية على مر القرون ؟ إذ حدث في عام 1242 على سبيل المثال أن قام الملك لويس التاسع ، ملك فرنسا، الذي كان يشغل منصب قديس رسمي في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بإدانة التلمود اليهودي باعتباره هجوما خبيثا على شخص السيد المسيح ، ومن ثم أصدر أمرا بحظر الكتاب ، وأضرمت النار في النسخ المصادرة أمام الملك. ولم يكن لويس التاسع على استعداد لمناقشة خلافاته مع الجاليات اليهودية في فرنسا بالوسائل السلمية والعقلانية وقال ذات يوم إن الأسلوب الوحيد للنقاش مع أحد اليهود هو أن تقتله "بطعنة نافذة في بطنه إلى أقصى ما يصل إليه السيف "[1]. وكان لويس التاسع هو الذي بدأ الحملة الأولى من محاكم التفتيش ، والتي كانت تهدف إلى معاقبة المارقين من أبناء المسيحية، ولم يكتف بإحراق كتبهم ، بل أحرق المئات من الرجال والنساء . كما كان يبغض المسلمين كذلك ، وكان على رأس حملتين من الحملات الصليبية ضد العالم الإسلامي . كان الغرب المسيحي، لا الإسلام ، هو الذي لا يطيق التعايش في زمن لويس التاسع ، مع الآخرين ، وقد يكون لنا، أن نقول إن التاريخ المرير للعلاقات بين المسلمين والغرب قد بدأ بالهجوم على النبي محمد في إسبانيا المسلمة. ففي عام 850 خرج راهب يدعى بيرفكتوس إلى السوق في قرطبة، وكانت عاصمة دولة الأندلس المسلمة، حيث لقيه بعض العرب الذين سألوه أن يفاضل بين النبي عيسى والنبي محمد. وأدرك بيرفكتوس على الفور أن بالسؤال شركا نصب له ، لأن قانون الإمبراطورية الإسلامية كان يقضى بإعدام من يسب النبي محمدا، ومن ثم التزم الحذر في إجابته أول الأمر ولكن زمامه أفلت فجأة فانطلق يصب وابلا من الشتائم فزعم أن نبي الإسلام دجال ومولع بالجنس بل وأنه المسيخ الدجال نفسه ، وسرعان ألقى به في السجن.

وكانت تلك حادثة شاذة في قرطبة، إذ كانت العلاقات طيبة في العادة بين المسلمين والمسيحيين ، وكان المسلمون يسمحون للمسيحيين ، مثلما يسمحون لليهود، بالحرية الدينية الكاملة في أرجاء الإمبراطورية الإسلامية ، وكان معظم أهالي إسبانيا يعتزون بانتمائهم إلى تلك الثقافة الرفيعة، فقد كانت تسبق سائر أوربا سبقا يقاس بالسنين الضوئية، وكان كثيرا ما يطلق عليهم المستعربون : المسيحيون مولعون بقراءة الأشعار والقص العربية ، وهم يدرسون فقهاء الإسلام وفلاسفته ، لا ليدحضوا ما يقولون بل لتصحيح لغتهم العربية وتنميق أسلوبهم ، وهل لدينا اليوم من غير رجال الدين من يقرأ التفاسير اللاتينية للكتاب المقدس أو من يدرس الأناجيل أو كتابات الأنبياء والرسل؟ وأسفا! إن جميع شباب المسيحيين من ذوى المواهب يعكفون على قراءة الكتب العربية ودراستها بحماس[2].

كان بول الفارو ، وهو الإسباني العلماني الذي كتب هذا الهجوم على المستعربين في تلك الفترة أو نحوها، يعتبر الراهب بيرفكتوس بطلا ثقافيا ودينيا.إذ إن تهجمه على النبي محمد كان قد أثار حركة أقليه ذات طابع غريب في قرطبة، فكان الرجال والنساء يمثلون أمام القاضي (الذي يقضى بأحكام الإسلام ) ويثبتون إخلاصهم للمسيحية بشن هجوم مقذع وانتحاري على النبي.

وعندما وصل بيرفكتوس إلى السجن ، كان يرتعد فرقا ورعبا ،ولكن القاضي قرر ألا يصدر حكما بإعدامه ، إذ رأى أنه كان ضحية استفزاز ظالم من المسلمين ، ولم يلبث بيرفكتوس ، في غضون أيام معدودة، حتى أفلت زمامه من جديد فطفق يسب نبي الإسلام سبابا بذيئا لم يطق القاضي إزاءه إلا تطبيق القانون بكل صرامة. ونفذ حكم الإعدام في الراهب ، فإذا بجماعة من المسيحيين ، الذين كانوا - فيما يبدو - من زعانف المجتمع ، يمزقون أوصاله ويضفون هالة من القداسة على رفات "شهيدهم" . وبعد أيام مثل راهب آخر يدعى إسحاق أمام القاضي وأخذ يسب محمدا ودين محمد بحرارة جعلت أتقاضى يظنه مخمورا أو مختل العقل فصفعه على وجهه ليعيده إلى صوابه ، ولكن أسحق استمر في السباب ، فلم يجد القاضي بدا من وضع حد لمثل ذلك الانتهاك الصارخ للقانون.

لم تكن قرطبة في القرن التاسع تشبه مدينة برادفورد عام 1988 ، إذ كان المسلمون يتمتعون بالقوة والثقة بالنفس ، وكانوا، من ثم ، أبعد ما يكون عن الرغبة في قتل أولئك المتعصبين المسيحيين : كانوا يرون ، أولا، أن المتعصبين لا يتمتعون ، فيما يبدو، بكامل قواهم العقلية، وكانوا يدركون ثانيا أن أبغض ما يبغضونه هو تقديم شهداء يحاطون بالتقديس . ولم يكن المسلمون ينفرون من الاستماع إلى ما تقوله الأديان الأخرى، فلقد ولد الإسلام في كنف التعددية الدينية بالشرق الأوسط حيث تتعايش شتى العقائد على مر القرون ، وكانت الإمبراطورية البيزنطية المسيحية الشرقية تسمح كذلك بحرية الآقليات الدينية في ممارسة شعائرها وإدارة شئونها الدينية الخاصة . ولم يكن القانون في الإمبراطورية الإسلامية يحرم جهود الدعوة المسيحية ، بشرط ألا يتعرض المسيحيون في غضون ذلك للهجوم على النبي محمد، الذي يحبه المسلمون حبا جما . بل إن بعض مناطق الإمبراطورية كانت تتسم بوجود تقاليد راسخة من التشكك والتفكير الحر، وكانت تواجه بالتسامح ما دامت في حدود الذوق السليم ، وما دامت لم تجنح إلى التجريح ، وكان القاضي والأمير في قرطبة يكرهان الحكم بالإعدام على بيرفكتوس واسحق ، ولكنهما لم يكونا قادرين على السماح بانتهاك القانون على هذا النحو. لكنه لم تمض أيام قلائل على إعدام أسحق حتى وصل ستة رهبان من الدير نفسه ، وقاموا بالتهجم على النبي محمد بصورة مقذعة. وبلغ عدد الشهداء الذين لاقوا حتفهم في ذلك الصيف ، بهذا الأسلوب ، نحو خمسين . وقد اشترك أسقف قرطبة مع المستعربين في إدانتهم ، إذ انزعج الجميع أشد الانزعاج من تيار تقديس الشهداء الذي جنح فجمح ، ولكن الشهداء وجدوا من يدافع عن قضيتهم وهما قسيس يدعى يولوجيو، وبول ألفارو، إذ قال كلاهما إن الشهداء هم من "جنود الله " الذين كانوا يقاتلون ببسالة دفاعا عن عقيدتهم ، وانهم شنوا هجوما معنويا معقدا على الإسلام ، عجزت السلطات الإسلامية عن رده ،لأنه كان، فيما يبدو، سيثبت أنها على خطأ.

كان الشهداء ينتمون لشتى المستويات الاجتماعية، فكانوا من الرجال والنساء، ومن الرهبان والقسس ، ومن غير رجال الدين ، ومن البسطاء ومن كبار العلماء. وكان يبدو أن الكثيرين منهم يسعون لتحقيق هوية غربية متميزة واضحة . ويبدو أن بعضهم كان ينتمي إلى أسرات مختلطة، حيث أحد الأبوين مسلم والآخر مسيحي، وكان البعض الآخر ينصح بأن يستوعب الثقافة الإسلامية استيعابا كاملا - إذ أطلقت عليهم أسماء عربية[3] أو عينوا في وظائف معينة بالحكومة - ومن ثم اختلطت عليهم السبل وأصيبوا بالحيرة . ولا شك أن فقدان الجذور الثقافية قد يحدث قلقا عميقا، بل إنه ، حتى في أيامنا هذه ، قد يؤدى إلى نشوء نزعة تدين تتسم بروح التحدي و العدوان ، وهى النزعة التى تتوسل بها النفس لفك الحصار المضروب حولها . و قد يكون علينا أن نذكر شهداء قرطبة عندما نحار في فهم نزعة العداء و الغضب في بعض الجاليات الإسلامية في الغرب ، وفى المناطق الأخرى التى تشكل فيها الثقافة الغربية تهديدا للقيم التقليدية . كانت حركة الشهداء التى قادها الفارو و يولوجيو تعارض المستعربين المسيحيين بنفس المرارة التى تعارض بها المسلمين ، إذ اتهمتهم بأنهم خونة لثقافتهم.

وقام يولوجيو بزيارة إلى بامبلونا في البلدة المسيحية المجاورة، وعاد يحمل كتبا غربية : نصوصا باللاتينية كتبها آباء الكنيسة ومؤلفات رومانية كلاسيكية من تأليف فيرجيل وجوفينال. كان يطمح في مقاومة استعراب مواطنيه الأسبان ، وإبداع نهضة لاتينية تتوقد حنينا وشوقا إلى الماضي الروماني لبلده ، فذلك من سبل إحباط تأثير الثقافة الإسلامية السائدة، ولكن الحركة خبت وتدهورت عندما أصدر أتقاضى حكمه بإعدام يولوجيو . وقد طلب القاضي إليه أن ينجو بأن يعلن اسميا قبوله الإسلام - إذ لن يتحقق أحد من سلوكه الديني بعد ذلك - وألا يستسلم "لتلك التصرفات المؤسفة الانتحارية المهلكة" مثل غيره من "المغفلين والبلهاء"[4] ولكن رد يولوجيو اقتصر على أن طلب منه شحذ السيف.

لم تكن هذه الحادثة الغريبة من الحوادث التى تميزت بها الحياة في إسبانيا المسلمة، إذ ظل أبناء أديان التوحيد التاريخية الثلاثة، يعيشون في سلام ، و وئام نسبيين على مدى الأعوام الستمائة التالية، فكان اليهود - الذين كانوا يتعرضون للملاحقة والقتل في سائر أنحاء أوربا - يتمتعون بنهضة ثقافية حافلة خاصة بهم . ولكن قصة شهداء قرطبة تكشف عن موقف سرعان ما تفشى في الغرب ، ففي ذلك الوقت كان الإسلام قوة عالمية كبرى، وكانت أوربا التى اكتسحتها القبائل الهمجية، قد أصبحت بركة ثقافية آسنة .وعلى مر الأيام بدا أن العالم كله قد أصبح إسلاميا مثلما يبدو لنا اليوم وقد اكتسى الطابع الغربي، وظل الإسلام يمثل تحديا لا يتوقف للغرب حتى القرن الثامن عشر، أما الآن فيبدو أن حربا باردة ضد الإسلام توشك أن تحل محل الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي.

كان يولوجيو و ألفارو يعتقدان أن سطوع نجم الإسلام يبشر بقدوم المسيخ الدجال ، وهو الدجال العظيم الذي ورد وصفه في العهد القديم ، والذي ينذر حكمه بحلول الأيام الأخيرة للبشرية . وقد أوضح مؤلف الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي أن المسيح لن يعود إلى الأرض حتى تقع "الردة الكبرى" إذ يأتي ،"أثيم " ويقيم ملكه في هيكل أورشليم ليضل كثيرا من المسيحيين "بآيات وعجائب كاذبة"[5]. وقد ورد في سفر "رؤيا يوحنا اللاهوتي" أيضا ذكر وحش عظيم ، "سمته عجيبة" وهى العدد 666، يخرج من الهاوية ويتوج نفسه على عرش جبل المعبد، ويحكم العالم[6]. وكان يبدو أن الإسلام يتفق اتفاقا تاما مع هذه الرؤى القديمة، إذ فتح المسلمون بيت المقدس في عالم 638، وبنوا مسجدين عظيمين على جبل المعبد، وبدا أنهم حقا يحكمون العالم ، وقيل أيضا إن محمدا قد أتى بعد المسيح ، حيث انتفت الحاجة إلى تنزيل جديد، ولكنه نصب نفسه نبيا وارتد كثير من المسيحيين واعتنقوا الدين الجديد . وكانت بحوزة يولوجيو و الفارو سيرة مختصرة لحياة محمد تقول إنه توفى في عام 666 من التاريخ الإسباني، وبذلك تسبق الحساب التقليدي بثمانية وثلاثين عاما. وكانت تلك السيرة النبوية التى كتبت في أواخر القرن الثامن من وجهة نظر غربية، قد قام بإعدادها أحد الأديرة، ويدعى "دير لير" بالقرب من بامبلونا في براغيل العالم المسيحي الذي كان يرتعد فرقا أمام ا العملاق الإسلامي الجبار . كان نجاح الإسلام يثير سؤال يتجاوز التهديد السياسي الذي يمثله ، وهو سؤال لاهوتي يبعث على القلق : كيف سمح الله لهذه العقيدة "الكاذبة" بالظهور والانتشار؟ ترى هل تخلى الله عن مناصرة شعبه وأهله؟

كانت صيحات التهجم التى أطلقها شهداء قرطبة ضد نبي الإسلام تستند إلى تلك السيرة القائمة على "الرؤيا" . وصور الوهم للأذهان التى سيطر عليها الرعب أن محمدا دجال كاذب ، نصب نفسه نبيا ليخدع العالم ، وصور لها الوهم أنه فاسق يستمرئ الفسق البذىء ويدفع أتباعه إلى محاكاته ، وصور لها الوهم أنه كان يجبر الناس على اعتناق عقيدته بحد السيف . وانتهت هذه الأوهام إلى القول بأن الإسلام ليس دينا مستقلا منزلا، بل بدعة ، أو صورة مشوهة من صور المسيحية، وأنه دين عنف يؤمن بالي جف ويمجد الحرب و القتل . وقد سمع البعض أنباء شهداء قرطبة في مناطق أخرى من أوربا، بعد أن انطفأت شعلة الحركة، ولكن هذه الأنباء لم تحدث صدى يذكر. ولكن الأساطير المسيحية عادت بعد نحو 250 سنة ، وأوربا توشك على العودة إلى الساحة الدولية، وهى الأساطير التى أعادت رسم هذه الصورة الوهمية لنبي الإسلام بدقة غريبة. ولا شك أن بعض الباحثين المتعمقين قد حاولوا وضع تصور موضوعي صادق لنبي الإسلام وللدين الذي أتى به ، ولكن الصورة الخيالية للنبي الذي حرف اسمه إلى "ماهاوند" استمرت قائمة على المستوى الشعبي . ومن ثم أصبح العدو الأكبر للهوية الغربية الناشئة، وأصبح يرمز لكل ما "نتمنى" أن ننفيه عن ذواتنا . وما تزال آثار الوهم القديم قائمة حتى يومنا هذا . إذ ما يزال من الشائع عند أبناء الغرب أن يسلموا دون نقاش بأن محمدا ليس سوى رجل "استغل " الدين في تحقيق الفتوحات وسيادة العالم ، وأن الإسلام دين عنف يعتمدعلى السيف ، وذلك على الرغم من وجود دراسات علمية وموضوعية كثيرة عن الإسلام و نبي الإسلام تثبت خطل هذه الأسطورة المرتبطة "بماهاوند".

كان القرن إلحادي عشر يطوى صفحته عندما شرعت أوربا في النهوض من جديد بزعامة البابا، والاستيلاء على بعض أراضى المسلمين . ففي عام 1061 كان النورمانديون قد بدءوا الهجوم على المسلمين في جنوبي إيطاليا وصقلية، وتمكنوا من فتح المنطقة عام 1091 ، كما شرع المسيحيون في شمالي إسبانيا في شن حروبهم ضد مسلمي الأندلس ، ففتحوا طليطلة عام 1085 ، وفى عام 1095 قام البابا أوربان الثاني باستدعاء فرسان أوربا لتحرير قبر المسيح في أورشليم في حملة كتب لها أن تعرف باسم الحملة الصليبية الأولى . وبعد سنوات من الشدائد والأهوال تمكن الصليبيون في عام 1099 من فتح أورشليم وإنشاء أول مستعمرات غربية في الشرق الأدنى . وقد اتخذ هذا النجاح الغربي الجديد صورة الحرب التى لا هوادة فيها ضد الإسلام ، وان لميكن أحد في أوربا، في البداية، يكن كراهية خاصة للدين الإسلامي أو لنبي الإسلام ، إذ كان ما يشغل الناس هو تحقيق أحلامهم الخاصة بالمجد وتوسيع رقعة أوربا البابوية . وتفصح ملحمة أنشودة رولان التى ألفت في زمن الحملة الصليبية الأولى عن جهل فاضح بالطبيعة الأساسية للعقيدة الإسلامية، إذ تصور المسلمين من أعداء شارلمان ورولان في صور عابدي الأصنام ، وهم يركعون أمام ثلاثة آلهة هي "أبولو" و "تيرفاجان " ومحمد، وان كانوا، على ذلك ، جنودا شجعانا، يسعد المقاتل بمنابذتهم . وعندما تلاقت جيوش الحملة الصليبية الأولى في آسيا الصغرى للمرة الأولى مع الأتراك ، أحست بالاحترام البالغ لهم والإعجاب بشجاعتهم :

من ذا الذي يستطيع ، مهما تكن خبرته وعلمه ، أن يجرؤ على الكتابة عن مهارة الأتراك وبسالتهم وشجاعتهم ؟ كانوا يظنون أنهم سيقذفون الرعب في قلوب الفرنجة مثلما ألقوا الرعب في قلوب العرب وأبناء الصحراء وأبناء أرمينيا وسوريا واليونان ، بالخشية من سهامهم ! ومع ذلك فالله شاهد على أن رجالهم لم يتفوقوا أبدا على رجالنا . وهم يقولون إنهم من سلالة الفرنجة نفسها ، وانهم مفطورون على الفروسية . وهذا صحيح ولا يمكن أن ينكره أحد، فإذا كانوا قد ثبتوا على العقيدة المسيحية وأبدوا استعدادهم لقبول الإيمان بإله واحد يحل في ثلاثة أشخاص . . . فلن تجد أقوى ولا أشجع ولا أمهر من هؤلاء الجنود. ومع ذلك فقد من الله على رجالنا فقهروهم[7].

لقد أحس الفرنجة بالوشائج التى تربطهم بجنود المسلمين في موقعة دوريليوم عام 1097 ، ولكن الصليبيين فتحوا أورشليم بعد ذلك بسنتين وبدا عندها أنهم لا يستطعيون اعتبار المسلمين بشرا مثلهم ، إذ قاموا بارتكاب مذبحة بين سكان المدينة عامدين ، وهى المذبحة التى صدمت مشاعر الجميع حتى من معاصريهم. وأصبحوا بعد ذلك يعتبرون المسلمين وباء لا بد منتطهير الأماكن المقدسة منه ، وكانت الصفة الرسمية التى أطلقت عليهم في مصطلح الحملات الصليبية هي "القذارة".

كان اهتمام أوربا بالنبي محمد يكاد يكون معدوما قبل عام 1100 ، ولكن الجميع ، أصبحوا يعرفونه في عام 1120 ، ففي نفس الوقت الذي كانت فيه أساطير شارلمان والملك آرثر وروبين هود قد بدأت تشيع في الغرب ، أصبحت "أسطورة ماهاوند" عدو الممالك المسيحية وقرينها، راسخة في مخيلة أبناء الغرب . وقد أوضح الباحث ر . و . ساذرن في دراسة بعنوان "صور الإسلام في الغرب إبان العصور الوسطى" ذلك قائلا :

لا شك أنهم عندما وضعوا هذه الأساطير والأوهام ، كانوا يرون أنها تمثل الصورة الحقيقية، إلى حد ما، للواقع الذي تصفه ، ولكنها اتخذت بعد كتابتها طابعا أدبيا وهبها حياتها الخاصة. ولم تتغير كثيرا صورة محمد وأتباعه من أبناء الصحراء، على مستوى الشعر الشعبي، من جيل إلى جيل ، وكان هؤلاء يشبهون الشخصيات الخيالية المحبوبة، التى يتوقع القارئ أن تتسم بخصائص معينة، ومن ثم حقق المؤلفون غاية القراء فطفقوا يصفون تلك الخصائص على امتداد مئات السنين[8].

وربما أدى الطابع "الخيالي" لشخصية "ماهاوند" في الغرب ، إلى زيادة الصعوبة التى يواجهها الناس اليوم إذا حاولوا النظر إليه باعتباره شخصية تاريخية جديرة بالدراسة الجادة التى يولونها لنابليون أو للإسكندر الأكبر . والصورة الخيالية لشخصية "ماهاوند" في رواية آيات شيطانية تتفق على أعمق مستوى مع هذه الأوهام الغربية الراسخة.

فلقد لجأت الأساطير، في محاولة لتفسير سر نجاح محمد، إلى الزعم بأنه كان ساحرا دبر "معجزات" زائفة ، حتى يخدع العرب السذج ، ويدمر الكنيسة في إفريقيا والشرق الأوسط . وتتحدث إحدى الحكايات عن ثور أبيض نشر الذعر بين السكان ثم ظهر آخر الأمر، وكان القرآن وهو الكتاب الذي أتى به محمد إلى العرب ، يتراقص في الهواء بين قرنيه باعتبار ذلك من المعجزات . وقيل أيضا إن محمدا قام بتدريب حمامة على التقاط حبات البازلاء من أذنيه ، حتى يبدو للرائي كأن روح القدس تتنزل عليه وتهمس له بالوحي، أما تجاربه الدينية الحقيقية فقد فسرها هؤلاء بأنه كان يعانى من مرض الصرع ، وكان معنى ذلك في تلك الأيام أنه رجل تسكنه الجان ، كما أفاضوا في الحديث عن حياته الجنسية فاتهموه بأقذع ضروب الشذوذ، وقالوا عنه إنه أغرى الناس بالانضمام إلى دينه بتشجيعهم على إرضاء غرائزهم الدنيا . وقالوا إن مزاعم النبي محمد كانت جميعها كاذبة، وإنه كان دجالا عامدا تمكن من خداع معظم أبناء شعبه ، وأما بعض أتباعه الذين تكشفت لهم حقيقة أفكاره السخيفة فالتزموا الصمت بسبب أطماعهم الدنيئة . والواقع أن المسيحيين الغربيين لم يجدوا سبيلا إلى تفسير الرؤية الدينية الرائعة والمقنعة التى أتى بها محمد، و إلى تفسير سر نجاحها، إلا بإنكار الوحي ومن ثم نفى وجود مصدر مستقل لها، مما يعنى أن الإسلام كان في نظرهم فرقة خارجة على المسيحية، وهي بهذا تمثل بدعة البدع ، وغاية المروق . وزعم فيما زعم أن رجلا يدعى سيرجيوس كان راهبا ثم أصبح مارقا ومن ثم أرغم على الفرار من بلدان المسيحية، وكان ذلك ما ينبغى له أن يفعل ، ومن ثم ذهب إلى بلاد العرب س قابل محمدا ولقنه أصول الصورة المشوهة للمسيحية التى أتى بها . وكان الغربيون يقولون إن دين محمد (المحمدية) ما كان ليظهر على الدين كله إلا بحد السيف ، وان المسلمين لم يكن مسموحا لهم بمناقشة الدين مناقشة حرة في الإمبراطورية الإسلامية، وان محمدا قد انتهى نهاية تعتبر جزاء وفاقا، إذ هجم عليه قطيع من الخنازير أثناء إحدى نوبات اتصاله بالجن فمزقوه إربا.

وبعض تفاصيل هذا الوهم تعكس بواعث قلق المسيحيين على هويتهم التى كانت قد بدأت تظهر، فالوصمة التى ألحقوها بالإسلام باعتباره "دين السيف " نشأت في إبان الحملات الصليبية، وهى فترة لابد أن المسيحيين فيها أحسوا بقلق دفين إزاء الصورة العدوانية التى اتخذتها عقيدتهم ، وهى صورة لا علاقة لها برسالة الدعوة إلى السلم التى جاء بها المسيح . وفى الوقت الذي كانت الكنيسة تفرض على رجال الدين الامتناع عن الزواج ، على رغبتهم فيه وحرصهم عليه ، كانت الرواية المدهشة الغريبة عن الحياة الجنسية للنبي محمد تنم على ألوان الكبت التى يكابدها المسيحيون أكثر مما تتعلق بأية حقائق عن حياة النبي الشخصية . ولا شك أن الصورة التى رسموها للإسلام كانت تتضمن حسدا ظاهرا ، إذ كانوا يصورونه في صورة دين المتعة والتيسير . أما التهمة الأخيرة فهي مردودة عليهم ، إذ إن الغرب لا الإسلام هو الذي حظر حرية مناقشة المسائل الدينية . ففي زمن الحملات الصليبية كانت "الوحدة الفكرية" غاية تتحرق أوربا شوقا إلى تحقيقها، حتى بدت من قبيل "النزعة المسيطرة" ، وكانت أوربا تعاقب من يخرج عليها بحماس فريد في تاريخ الدين . وكانت مطاردة رجال محاكم التفتيش "للساحرات" أو من بهن مر من الشيطان وحركة اضطهاد البروتستانت و الكاثوليك بعضهم البعض ، تقومان على آراء لاهوتية عميقة ومعقدة، وكانت اليهودية والإسلام يعتبران في هذا الإطار من العقائد الفردية الثانوية، فلم تكن اليهودية تشارك المسيحية نظرتها إلى "البدعة" ، ولم يكن الإسلام يشاركها تلك النظرة هو الآخر، فنظرة المسيحية للبدعة ترفع من قيمة الآراء البشرية في القداسة إلى حد غير مقبول ، بل إنها تصل إلى صورة تقترب من عبادة الأوثان ، والواقع أن عصر الحملات الصليبية الذي شهد ترسيخ الصورة الخيالية لماهاوند، كان عصر توتر بالغ ، بلغ فيه المروق من الدين أشده في أوربا، وما الخوف المرضى من الإسلام إلا التعبير الساطع عن تلك الظاهرة.

وبدأ يتضح أن المسيحيين الغربيين لن يستطيعوا تقبل وجود جاليات دينية مختلفة أو عقائد متباينة في إطار النظم التى أقاموها، أو يحرزوا في ذلك من النجاح ما أحرزه المسلمون أو البيزنطيون . ولما كانت اليهودية هي الدين الأجنبي الوحيد القائم آنذاك على الأرض الأوربية ، فقد استهل رجال الحملة الصليبية الأولى رحلتهم إلى الشرق الأوسط بمذابح للجاليات اليهودية المقيمة في وادي نهر الراين ، وكانت تلك أولى المذابح الجماعية في أوربا . وكتب للعداء للسامية أن يصبح مرضا أوربيا عضالا أثناء الحملات الصليبية. وبينما كان المسيحيون يلفقون أساطيرهم عن "ماهاوند" وأبناء الصحراء ، كانت أوهامهم المرعبة عن اليهود تنسج روايات مماثلة، فقالوا إن اليهود يقتلون الأطفال الصغار ويمزجون الدم بخبز عيد الفصح العبراني، وانهم يدنسون القربان المقدس ، وانهم يدبرون مؤامرة دولية واسعة النطاق للإطاحة بالمسيحية . ولم توضع في العالم الإسلامي أمثال هذه الأساطير المعادية لليهودية ، التى تنم على وجود اضطرابات وأمراض في نفوس الغربيين ، أما بعد فتوحاتهم في إسبانيا وجنوبى إيطاليا وصقلية، فقد أصبح العشرات من الآلاف من المسلمين يعيشون داخل حدود الممالك المسيحية، وبدا للمؤسسة الحاكمة أن الأسلوب الوحيد الكفيل بإنجاح التعامل مع هؤلاء الأجانب يتمثل فرض سيادة فصل عنصرى رسمية، تقض بمنع المسيحيين من إقامة أية صلات مع جيرانهم من المسلمين واليهود. وصدرت تشريعات كنسية خاصة تربط المسلمين باليهود باعتبارهم العدو المشترك في المجلسين البابويين اللذين عقدا عامى 1179 و 1215 ، إذ قضت تلك التشريعات بفرض عقوبات تتمثل الطرد من الكنيسة، وما يترتب على ذلك من مصادرة الممتلكات ، على كل مسيحي يقبل الخدمة في منازل المسلمين أو اليهود،أو رعاية أطفالهم أو الاتجار معهم أو حتى مشاركتهم طعامهم . وفى عام 1227 أضاف البابا في غريغوريوس التاسع المراسيم التالية : يجب على المسلمين واليهود أن يرتدوا ملابس مميزة لهم ، ويجب ألا يظهروا في الشوارع أثناء الأعياد المسيحية أو أن يتولوا مناصب حكومية في البلدان المسيحية، كما منع المؤذن من إيذاء أسماع المسيحيين بدعوة المسلمين إلى إقامة الصلاة بالأسلوب المعهود.

وأعلن البابا كليمنت الخامس (1305 – 1314) أن وجود مسلم على الأرض المسيحية يعتبر إهانة لله ، وكان المسيحيون قد شرعوا قبل ذلك في التصدي لتلك الظاهرة التى اعتبروها مخزية، فقام ملك فرنسا شارل آنشو عام 1301 بإبادة من بقى من المسلمين الصقليين ومن أبناء جنوب إيطاليا في "محمية" لوسيرا، وكان وصفها بأنها "وكر الوباء . . . متوهجة التلوث . . . مصدر الطاعون العضال والجراثيم القذرة في أبوليا"[9]. وفى عام 1942سقطت آخر قلعة إسلامية في أوربا، عندما قام فرديناند وإيزابيلا بفتح غرناطة، إذ دقت أجراس الكنائس في شتى أرجاء أوربا ابتهاجا بالنصر المسيحي على الكفار. ولم تمض سنوات معدودة حتى كان مسلمو إسبانيا يواجهون الاختيار بين الترحيل أو التحول إلى اعتناق المسيحية، ولم تلبث محاكم التفتيش أن قامت باضطهادهم هم وذريتهم على مدى 300 سنة أخرى . وهكذا حلت روح شهداء قرطبة محل التسامح القديم ، وبدا أن المسيحيين في إسبانيا قد تملكهم الخوف من المسلمين المتخفين ، الذين يعيشون بين ظهرانيهم ، باعتبارهم العدو السري للمجتمع.

وكثيرا ما كان الموقف الغربي الفاسد تجاه الإسلام يتجلى في ردود أفعال تنبئ عن انفصام نفسي ، إذ كان الإمبراطور "الروماني المقدس " فريدريك الثاني محبا للإسلام ، وكان يجد من الانتماء النفسي الحقيقي في العالم الإسلامي أكثر مما يجده في أوروبا المسيحية، ولكنه كان ، على ذلك ، لا يكف عن قتل المسلمين وترحيلهم من بلده صقلية . والغريب أنه في الوقت الذي انقض فيه المسيحيون على المسلمين يذبحونهم في الشرق الأدنى، كان آخرون يجلسون لتلقى العلم عند أقدام علماء المسلمين في إسبانيا. وكان العلماء من المسيحيين واليهود والمستعربين يتعاونون في مشروع ترجمة جبار لنقل معارف العالم الإسلامي إلى الغرب واستعادة الحكمة الكلاسيكية القديمة التى فقدتها أوربا في العصور المظلمة. كان الفيلسوفان المسلمان ابن سينا وابن رشد يحظيان بالتبجيل باعتبارهما من نجوم الفكر الساطعة، ولو أن الجمهور كان يواجه صعوبة متزايدة في تقبل كونهما من المسلمين . وقد وجدت المشكلة أبلغ تعبير عنها في ملحمة الكوميديا الإلهية لدانتى، التى تصورهما في البرزخ (أي في الأعراف ) مع فضلاء الوثنيين الذين أرسوا أسس الثقافة الفكرية وأعانوا الغرب على اكتسابها ، مثل إقليدس وبطليموس ، وسقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو . ولكن دانتي يصور محمدا في الفلك الثامن للجحيم ، مع أرباب الفتنة التى أحدثت الانشقاق الديني، ويصوره في عذاب مهين[1].[10]

أي إن دانتي لم يكن يستطيع أن يسمح حتى ذلك الوقت بأن تكون للنبي محمد رؤيته الدينية المستقلة . فهو يصفه بأنه منشق لا أكثر، خرج عن العقيدة .الأصلية . والصور البذيئة التى يرسمها دانتي تفصح عن مدى الاشمئزاز الذي كان الإسلام يبعث عليه في صدور المسيحيين ولكنهاتبين أيضا مدى الانفصام في النفس الغربية، إذ ترى في الإسلام صورة لكل ما لا تستطيع هضمه في ذاتها، وكان المزيج من الخوف والكراهية الذي يعتبر مناقضا بل وإنكارا تاما لرسالة المحبة التى أتى بها المسيح ، يمثل كذلك جرحا عميقا في وحدة المسيحية الغربية وسلامتها.

ومع ذلك فقد حاول البعض الآخر التوصل إلى رؤية تتسم بالمزيد من الموضوعية . ومن الطريف ، في الوقت الذي كانت المخيلة المسيحية تصهر اليهود والمسلمين في بوتقة واحدة باعتبارهما العدو المشترك للحضارة ، أن تكون صورة من أوائل الصور الإيجابية لمحمد في الغرب صورة رسمها له بيتر الفونسى، وهو يهودي إسباني اعتنق المسيحية عام 1106 ثم قض بقية حياته في إنجلترا، طبيبا للملك هنري الأول ، كان على عدائه للإسلام يصوره في صورة الدين الذي يقبله أرضاه من لم يسبق له الالتزام بالعقيدة "الحقة" . رثى عام 1120 أو نحو ذلك التاريخ الذي بلغ فيه العداء للإسلام ذروته ، كتب وليم مامزبرى دراسة يفرق فيها بين الإسلام والوثنية، فكان أول أوربي لفعل ذلك ، إذ جاء فيها ،(إن أبناء الشرق والأتراك يعبدون الله ، الخالق ، ؟يبجلون محمدا لا باعتباره ربا بل باعتباره نبيا لهم "[11]. وكانت تلك نظرة نافذة ما يزالالكثيرون من أبناء الغرب يرفضون قبولها، وما يزال بيننا بعض من يدهش دهشة حقيقية حين يسمع أن المسلمين يعبدون الإله الذي يعبده اليهود والمسيحيون نفسه : فهم يعتقدون أن "الله " إله يختلف اختلافا كاملا، كأنما هو جوبيتر في مجمع الآلهة الروماني، ويميل البعض الآخر إلى افتراض أن "المحمديين " يبجلون نبيهم تبجيلا من نفس اللون الذي يكنه المسيحيون للمسيح .

وتتجلى صعوبة فصل الحقيقة عن الوهم في قصة تاريخ شارلمان التى تنسب إلى توربين ، وكتبت في وقت ما قبل عام 1150 ، وهى تصور الشرقيين أو أبناء الصحراء "الوثنيين"، إذ يعبدون محمدا مع "أبوللو" و "تيرفاجانت "، على نحو ما كان متبعا في قصص المغامرات وأناشيد البطولات الفرنسية . ومع ذلك ، ففي خضم هذه الصور تدور مناظرة عقلانية بين رولان و عملاق مسلم يدعى فيراكتوس يتجلى فيها الوعى بأن المسلمين يعبدون الله الواحد الصمد . وفى نحو ذلك الوقت أيضا كتب المؤرخ أوتو فرايزنج بحثا ينكر فيه أن المسلمين يعبدون الأصنام.

من المعروف أن جميع أبناء الشرق يعبدون الله وحده ، ويعترفون بشريعة العهد القديم ، وشعيرة الطهارة . بل إنهم لا يهاجمون المسيح ولا الرسل . ولا يقصيهم عن الخلاص إلا شئ واحد، ألا وهو إنكارهم أن المسيح عيسى هو الله أو ابن الله ، وتبجيلهم الغاوى محمدا باعتباره نبيا عظيما للربالأعلى[12].

وهكذا، فما إن حل منتصف القرن الثاني عشر، حتى بدأ انتشار نظرة أدق للإسلام ، وان كان ازدياد الموضوعية لم يبلغ القوة الكفيلة بتبديد الأساطير المعادية للإسلام ، بل استمرت الحقائق والأوهام في امتزاجها وتوافقها ، بحيث ظلت الأحقاد القديمة تطل برأسها في بعض الأحيان ، حتى أثناء المحاولات الصادقة التى بذلها البعض لتوخى العدل والإنصات ، إذ ظلت صورة محمد صورة دجال منشق ، مهما يكن من أمر المؤرخ أوتو الذي وضع تصورا أقرب إلى العقل لدين النبي محمد.

وكانت أهم محاولات وضع تصور موضوعي للإسلام في القرن الثاني عشر هي المحاولة التى قام بها "بيتر المبجل" الذي كان يشغل منصب رئيس دير "كلونى" وعرف بمشاعره الإنسانية الرقيقة . إذ قام في عام 1141 بجولة في أديرة القديس بنيدكت في إسبانيا المسيحية، وتكليف فريق من العلماء المسيحيين والمسلمين ، برئاسة رجل إنجليزي يدعى روبرت كيتون ، بترجمة بعض النصوص الإسلامية، ومن ثم اكتمل ذلك المشروع في عام 1143. و كان من ثماره أول ترجمة لاتينية للقرآن ، ومجموعة من الأساطير الإسلامية ، وتاريخ إسلامي للعالم ، وشرح للتعاليم الإسلامية ، ورسالة حوارية عنوانها "دفاع الكندى" . وكان ذلك إنجازا رائعا، إذ أتاح لأبناء الغرب فرصة لدراسة الإسلام دراسة جادة . ولكن نتائجه كانت محدودة ، إذ كان المسيحيون في تلك الآونة قد بدءوا يتعرضون لهزائم عسكرية كبرى في الدول الصليبية في الشرق الأدنى، وارتفعت موجةجديدة من مشاعر العداء : للإسلام ، يعمل على تنظيمها الأسقف برنارد، رئيس دير كليرفوكس ، مما جعل الوقت غير مناسب للشروع في دراسة موضوعية للقرآن . وكان الأسقف بيتر قد كتب دراسة خاصة يتوجه فيها بالخطاب إلى العالم الإسلامي بنبرات رقيقه يعمرها الحب ، فكتب يقول : "إنني أتوجه إليكم بالكلمه ، لا بالسيف كما يتوجه غيري من الرجال ، في معظم الأحوال : وها أنا أتوسل بالعقل لا بالقوة، وبالحب لا بالكراهية . . . أنني أحبكم ، ويدفعني أحبى إلى الكتابة إليكم ، وكتابتي تدعوكم إلى الخلاص "[13]. ولكن عنوان هذه الدراسة كان "ملخص البدعة الكاملة التى أتت بها طائفة الشرقيين الشيطانية" . ومن ثم لم يكن من المحتمل أن يجد الكثير من المسلمين الصادقين أي لون من التعاطف مثل هذا المنهج ، حتى لو تمكنوا من قراءة النص اللاتيني الذي كتبه رئيس دير كلونى . بل إن هذا الأسقف الطيب الذي أظهر معارضته لتعصب أبناء زمانه في مناسبات أخرى، يدل في كتاباته على الانفصام الذي كان العقل الأوربي يعانى منه في نظرته للإسلام . وعندما قام الملك لويس السابع ، ملك في نسا ، بقيادة الحملة الصليبية الثانية إلى الشرق الأوسط عام 1147 ، كتب الأسقف بيتر إليه يقول إنه يتمنى أن يقتل عددا كبيرا من المسلمين ، عددا يوازي من قلتهم موسى (هكذا) ويوشع (يشوع ) من الاموريين والكنعانيين[14].

وفى أوائل القرن الثالث عشر، حاول مسيحي آخر يتصف بالقداسة أن يخاطب العالم الإسلامي في سياق حملة عسكرية صليبية، إذ حدث أثناء القتال في الحملة الصليبية الخامسة التى باءت بالفشل (1218 - 1219) أن جاء "القديس " فرانسيس أسيسى إلى المعسكر المسيحي في دلتا نهر النيل ، ثم عبر خطوط الأعداء وطلب السماح له بمقابلة السلطان الكامل . وقيل إنه قضى ثلاثة أيام مع السلطان ، يشرح رسالة الإنجيل ، ويحث السلطان على التحول إلى المسيحية، وقد حرص فرانسيس على عدم المساس بذكرى النبي محمد، مما شجع المسلمين على الاستماع إليه ، ويبدو أنهم أعجبوا بذلك الأشعث الأغبر. وعندما آن له أن يرحل قال السلطان الكامل : "ادع الله لي، وابتهل إليه أن يهديني إلى ما يحبه و يرضاه من شرع وإيمان ". ومن ثم أعاد فرانسيس إلى المعسكر المسيحي "معززا مكرما سالما آمنا"[15]. وكان فرانسيس قد أرسل - قبل رحيله إلى الشرق - فريقا من صغار القسس للدعوة بين المسلمين في إسبانيا وإفريقيا ، ولكن المنهج الذي اتبعوه في مخاطبة العالم الإسلامي كان يختلف في روحه اختلافا شاسعا. فعندما وصلوا إلى إشبيلية لجئوا إلى أساليب شهداء قرطبة، فحاولوا أولا اقتحام المسجد أثناء صلاة الجمعة، وعندما قام المصلون بتفريقهم ، اتجهوا إلى قصر الأمير، وشرعوا يسبون النبي محمدا بصوت عال خارج القصر. وهكذا كانت هذه البعثة التبشيرية، وهى أول بعثة كبرى إلى أبناء الشرق ، لا تتسم بأي تعاطف أو حب ، لأن أتباع فرانسيس (الفرنسيسكان ) لم يكونوا يرمون إلى "هداية" المسلمين إلى المسيحية ، بل كانوا يحاولون استغلال الموقف للظفر بإكليل الشهادة . ولما علت أصواتهم وازدادت جلبتهم اضطرت السلطات إلى حبسهم ، إذ تسببت الحادثة في حرج شديد لهم ، كما حاولت السلطات تجنب ذيوع أمرهم فدأبت على نقلهم من سجن إلى سجن . ورفضت الحكم عليهم بالإعدام ، ولكن المسيحيين المستعربين في إشبيلية كانوا يخشون أن يتسبب هؤلاء المتعصبون في تعريض موقفهم للخطر، وطلبوا من السلطات التخلص منهم. وانتهى الأمر بترحيل الفرنسيسكان إلى مدينة "سبته " في المغرب ، و لكنهم ما إن وصلوها حتى اتجهوا إلى المسجد أثناء صلاة الجمعة، وشرعوا من جديد في سب النبي محمد. ولم تجد السلطات بدأ، آخر الأمر، من .إعدامهم . وعندما وصلت الأنباء إلى "القديس " فرانسيس ، قيل إنه صاح في ابتهاج "أعلم الآن أنني ظفرت بخمسة قسس صغار يخلصون لي"[16]. يبدو أن تلك النزعة قد غلبت على بعثات التبشير الفرنسيسكانية التالية، ففي عام 1227 أعدم فريق آخر من القسس في سبته ، وكانوا قد أرسلوا خطابات إلى بلدهم يقولون فيها إن هدف البعثة هو "الموت والهلاك للكفار"[17]، واتجه فريق آخر إلى الأراضي المقدسة ، ولكن أساليبهم لم يرضى عنها جيمس فيترى، أسقف عكا، فكتب يقول : إن المسلمين لا يترددون في الإصغاء للقسس الصغار عندما يتحدثون إيمان المسيح وتعاليم الأناجيل . ولكنهم عندما يتعرضون في حديثهم إلى .إنكار ما جاء به محمد، إذ يصورونه في خطبهم الدينية في صورة الكاذب الخائن ، فإن المسلمين يضربونهم دون احترام لبعثتهم ، ولولا لطف الله الذي يحفظهم بما يشبه المعجزة، لكان مصيرهم القتل أو الطرد من مدن المسلمين "[18].

و هكذا كان الحال إبان العصور الوسطى. فحتى عندما كان البعض يحاول التزام الإنصاف والموضوعية ، أو الدعوة لرسالة المسيحية بين المسلمين ، كان العداء يتفجر، وكان أحيانا ما يتخذ طابع العنف الشديد. ففي نهاية الثالث عشر، قام العلامة الدومينيكى "ريكولدو دا مونتى كروتشى" بجولة في بلدان الإسلامية ، وأعرب عن انبهاره بمستوى التقوى والورع الذي صادفه ، فكتب يقول : "إن على المسيحيين أن يخجلوا من ورع المسلمين " . ولكنه عندما عاد إلى وطنه ليكتب عن "إقامة الحجة على المسلمين والقرآن " لم يزد على تكرار الأساطير القديمة . كانت الصورة الغربية للإسلام قد بدأت تتخذ من القوة ما يكفل دحض آثار أي احتكاك مع المسلمين الحقيقيين ، مهما تكن الآثار إيجابية ، إذ وجد الغرب روحه في أيام الحروب الصليبية ، ويستطيع الباحث أن يرجع معظم ما نتميز به عن غيرنا من المشاعر الفياضة وضروب الحماس إلى تلك الفترة، وهذا هو ما ألمح إليه "أومبرتو إيكو" في مقال عنوانه : "أحلام القرون الوسطى" ، إذ يقول :

الواقع أن الأمريكيين والأوربيين قد ورثوا التركة الغربية ، فمعظم مشاكل العالم الغربي قد ظهرت في القرون الوسطى، لأن المجتمع القرون الوسطى هو الذي ابتدع اللغات الحديثة ، والمدن التجارية ، والاقتصاد الرأسمالي (إلى جانب البنوك والشيكات ، وأسعار الفائدة على الودائع ) . ونحن نشهد في القرون الوسطى نشأة الجيوش الحديثة، والمفهوم الحديث للدولة القومية ، وكذلك فكرة الاتحاد الإلهي (تحت راية إمبراطور ألماني يختاره مجلس نيابي يقوم بمهمة المؤتمر الانتخابي) ، والصراع بين الأغنياء والفقراء ، ومفهوم البدعة أو الانحراف الإيديولوجي، بل حتى فكرتنا المعاصرة عن الحب باعتباره سعادة مدمرة تجلب الشقاء . ويمكنني أن أضيف إلى القائمة الصراع بين الكنيسة والدولة ،والنقابات العمالية ، (و إن كانت في صورة الشركات ) والتحولات التكنولوجية لعمل العمال[19].

و كان يمكنه أن يضيف أيضا مشكلة الإسلام . فانتهاء القرون الوسطى لم يؤذن بانتهاء الأساطير القروسطية القديمة . فعلى كثرة المحاولات التى بذلت لوضع منظور يتميز بالمزيد من الموضوعية والإيجابية، وعلى تنامي الاتفاق في آراء العلماء على أن الإسلام وبنى الإسلام لا يمثلان الظواهر المخيفة التى توهمها الناس ، ظل التعصب القديم قائما.

و قد استمرت صورة الإسلام الموهومة التى روجها شهداء قرطبة إبان فترة الحملات الصليبية، وان لم تكن تمثل موضوعا من الموضوعات الرئيسية ، إذ حدث في عام 1191 ، أثناء رحلة الملك ريتشارد قلب الأسد إلى الأرض المقدسة، في إطار الحملة الصليبية الثالثة، أن التقى بأحد المتصوفة الإيطاليين ،المشهورين في مدينة ميسينا ، في جزيرة صقلية، وهو يواقيم فيورى، الذي ، اخبره أنه سوف ينتصر حتما على صلاح الرين الأيوبي . وإذا كان يواقيم قد خطأ في ذلك ، فإنه أبدى بعض الملاحظات الطريفة ، والجديرة بالذكر، إذ قال إن نهاية العالم وشيكة، وإن نشأة الإسلام تمثل إحدى الوسائل الرئيسية يستعين بها المسيخ الدجال ، أما المسيخ الدجال نفسه فهو حى يرزق في روما ، وقد كتب له أن يشغل كرسي البابوية في روما . والواقع أن زيادة انتقاد .الأوربيين لمجتمعهم ووعيهم بنقائصه جعلتهم يربطون بين الإسلام وبين العدو الذي يعيش بين ظهرانيهم . وهكذا كان المصلحون كذلك يوازون بين البابوية التي تفتقر إلى الإخلاص (عدوهم اللدود) وبين الإسلام ، فنجد أن المصلح الإنجليزي ابن القرن الرابع عشر، جون ويكليف ، يرمى الإسلام في كتاباته الأخيرة بالنقائص الكبرى التى كان يراها في الكنيسة الغربية المعاصرة له وهى الكبرياء ، والجشع والعنف ، وشهوة السلطة والامتلاك . فكتب يقول "إننا نحن المحمديين الغربيين " وكان يعنى بذلك الكنيسةالغربية بصفة عامة، "على قلة عددنا بين أبناء الكنيسة كلهم ، نتصور أن العالم بأسره سوف يبنى نظمه على أساس أحكامنا ويرتعد فرقا من أوامرنا"[20].

و مضى يقول إنه لو لم تعد الكنيسة إلى الروح الحقيقية للأناجيل ، وللزهد الذي يدعو الدين إليه ، فإن هذه الروح "الإسلامية" سوف تستفحل في الغرب مثلما استفحلت في الشرق . وكانت أقواله تدل على تحول دقيق في الفكرة التي اعتادها من سبقه وهى اعتبار الإسلام ونبي الإسلام نقيضا لكل شئ "نتمنى" أن نكونه أو نخشى أن نصير إليه.

لم يكن أمام ويكليف إلا الاستناد إلى معلومات غير موثوق بهاإلى حد بعيد، ولكنه قرأ ترجمة القران وظن أنه عثر على نقاط مهمة تسمح بالموازنة بين محمد وكنيسة روما . وكانت حجته تقول إن محمدا كان يشبه الكنيسة في عدم المبالاة بالكتاب المقدس ، فكان يأخذ منه ما يناسب دعواه ويطرح سائره ، وان محمدا كان يشبه أصحاب الطوائف الدينية في ابتداع تجديدات تثقل كواهل المؤمنين بأعباء جديدة، وأهم من ذلك كله ، أن محمدا يحذو حذو الكنيسة في حظر المناقشة الحرة للدين . والواقع أن ويكليف فسر بعض الآيات القرآنية تفسيرا يشي بالتعصب القروسطى القديم ، ولكن هذه الفقرات لا تحظر المناقشة الدينية في ذاتها، بل هي تقول إن بعض ضروب الجدل الديني قد أدت إلى الانشقاق في أديان التوحيد القديمة ، ونشوء الشيع والطوائف المتناحرة . فبعض الأفكار المتعلقة بالذات الإلهية من المحال أن تتعدى الحدس والتخمين ، فلا يمكن لأحد، على سبيل المثال ، أن يثبت صحة مبدأ التجسد، وهو الذي يقول محمد إنه من المبادئ التى أضافها بعض المسيحيين فيما يبدو إلى الرسالة الأصلية للنبي عيسى. ومع ذلك فإن ويكليف عقد مقارنة بين هذا التعصب الإسلامي المزعوم وبين موقف الكنيسة إزاء بعض المبادئ التى تكتنفها المشاكل مثل مبدأ القربان المقدس ، إذ تأمر المسيحيين بالإيمان الأعمى بالأشياء التى لا يستطيعون فهمها.

و لم يقلع لوثر وغيره من المصلحين البروتستانت عن هذه العادة، ففي أواخر أيامه ، وجد أنه يواجه الغزوات المخيفة التى كان الأتراك العثمانيون يشنونها على أوربا، ومن ثم تملكه كابوس شهداء قرطبة، وأصبح يعتقد أن الإسلام قد يكتسح الممالك المسيحية اكتساحا كاملا، وفى عام 1542 نشر ترجمته الخاصة للدراسة التى كتبها ريكولدو دامونتى كروتشى بعنوان إقامة الحجة (المشار إليها آنفا) وقال في التصدير إنه كان قرأها قبل ذلك بسنوات ووجد من المحال عليه أن يقبل أن الناس يمكن أن يؤمنوا بمثل تلك الأكاذيب الواضحة الجلية، وإنه كان يريد قراءة القرآن ولكنه لم يعثر على ترجمة لاتينية له - وذلك ، كما يبين ر. و. ساذرن ، دليل ساطع على التخلف الشديد للدراسات الإسلامية في القرن السادس عشر - وقال إنه استطاع أن يحصل على أعلى نسخة منه وعندها أدرك أن ريكولدو لم يكن كاذبا بل كان محقا فيما قاله . وتساءل عما إذا كان محمد والمسلمون يمثلون المسيخ الدجال ، ثم أجاب على التساؤل قائلا إن "الإسلام " دين ساذج لا يقدر على أن يهوى في بالبشرية إلى ذلك المصير الرهيب ، أما العدو الحقيقي فهو البابا والكنيسة الكاثوليكية ، ومادامت أوربا تتمسك بهذا العدو الداخلي فسوف تعرض نفسها خطر الهزيمة على أيدي "المحمديين " . وقد طرح زوينجلى وبعض المصلحين الآخرين أفكارا مماثلة ، إذ كانوا يعتبرون روما "رأس " المسيخ الدجال و"المحمدية" جسده . ويدل هذا التطور في تفكير البروتستانت على أن نحب رين قد أضفوا على الإسلام صورة من داخل أوربا بحيث أصبح .رمزا ث ، المطلق في حياتهم الشعورية . وقد كتب نورمان دانييل دراسة عميقة عنوانها العرب وأوربا في العصور الوسطى يقول فيها إن الإسلام لم يعد حقيقة تاريخية خارجية يمكن للناقد أن يفحصها مثل سواها من الحقائق ، بل إن المصلحين قد "دسوا فكرة الإسلام باعتبارها حالة داخلية، يمكن إلصاقها بأعداء العقيدة الخالصة (مهما يكن تعريف الكاتب لها). وعلى هذا النحو كانوا يقومون في الواقع بتحويل الإسلام إلى كيان داخلي باعتباره "العدو" دون تمييز) وهو العدو الذي ظل يكمن زمنا طويلا في المخيلة الأوربية"[21].

و يضرب دانييل أمثلة من الكاثوليك والبروتستانت ، ويعقد مقارنات بين معارضيهم المسيحيين و "الإسلام" دون أن يدرك في الواقع ما تنطوي عليه تلك المقارنات. فكان المبشر الكاثوليكي، ابن القرن السابع عشر، م . ليفيبر يرى أن المسلمين بمثابة "بروتستانت محمديين"، يعتقدون أن الإيمان يبرر فعال الناس ، إذ "يرجون غفران كل خطاياهم بشرط إيمانهم بمحمد" ، ولكن كاتب أدب الرحلات البروتستانتي ابن القرن الثامن عشر، ل . راوولف كان يعتبر المسلمين "كاثوليك محمديين " إذ إنهم "يقومون بالأعمال التى اخترعوها ، وتفانوا في الإخلاص لها ، مثل الزكاة والصلاة والصوم وافتداء الأسرى وما إلى ذلك ، ابتغاء مرضاة الله "[22]. ولم يكن المسيحيون في العصور الوسطى قادرين على النظر إلى الإسلام إلا باعتباره صورة ناقصة من صور المسيحية، كما اختلقوا الأساطير التى تبين أن محمدا تلقى تعليمه على أيدي أحد أصحاب البدع . واستمر أبناء الغرب ، فيما بعد، على ضوء الانقسامات الداخلية الجديدة في العالم المسيحي، ينظرون إلى محمد ودينه من منظور مسيحي في جوهره ، وكانوا ، فيما يبدو، لا يكترثون للحقيقة التاريخية الموضوعية، ولم يخطر على بالهم ، فيما يبدو، أن للمسلمين بواعث حماس مستقلة لا يمكن تحديدها في إطار الممارسة المسيحية.

و لكن عصر النهضة شهد محاولات جديدة من جانب بعض أبناء الغرب للتوصل إلى تفهم يتسم بالمزيد من الموضوعية للعالم الإسلامي، وكانوا في ذلك يتبعون التقاليد والطموحات التى أرساها "بيتر المبجل " وهى التى أبقى بعض علماء القرن الخامس عشر على شعلتها موقدة، مثل جون سيجوفيا ونيكولاس كوسا . ففي عام 1453 ، بعيد الفتح التركي لإمبراطورية بيزنطة المسيحية ، الذي أتى بالإسلام إلى عتبة باب أوربا، ألمح جون سيجوفيا إلى ضرورة العثور على أسلوب جديد لمواجهة الخطر الإسلامي، قائلا إنه من المحال أن يلقى الهزيمة في ميدان القتال أو عن طريق أنشطة التبشير التقليدية . ومن ثم بدأ يعمل على وضع ترجمة جديدة للقرآن ، بالتعاون مع أحد فقهاء المسلمين من سلمانكا، كما اقترح عقد مؤتمر دولي، يجرى فيه تبادل الآراء العلمية بين المسلمين والمسيحيين . ولكن المنية وافته عام 1458 قبل أن يؤتى أي من هذين المشروعين أكله ، ومن ثم تولى صديقه نيكولاس كوسا العمل على إنجاح هذا المنهج الجديد. ففي عام 1460 كتب كتابا عنوانه "منخل القرآن " لم يتبع فيه السبل الجدلية المألوفة بل حاول فيه إجراء دراسة أدبية وتاريخية ولغوية منهجية للنص الذي كان جون سيجوفيا يعتبره نصا جوهريا ومن ثم وضعت أسس الدراسات العربية في عصر النهضة ، وكان المنهج الموسوعي الذي لا يقف عند حدود دولة أوربية دافعا لبعض العلماء إلى وضع تقييم يتسم بالمزيد من الواقعية للعالم الإسلامي، والى نبذ الاتجاهات الصليبية الفجة . ومع ذلك لم تختلف الحال كثيرا عما كانت عليه في العصور الوسطى ، فزيادة إدراك الحقائق لم تستطع طمس صور الكراهية القديمة التى كانت تسيطر سيطرة قوية على المخيلة الغربية.

و قد برز ذلك بوضوح وجلاء في عام 1697 ، الذي شهد أولى بوادر التنوير بنشر عملين كان لهماتأثيرهما الكبير. أما الأول فكان اسمه المكتبة الشرقية، وكان المؤلف "بارتلمى ديربيلو" قد اجتهد حتى جعله أهم وأصدق مرجع للدراسات الإسلامية والشرقية في إنجلترا وأوربا حتى مطلع القرن التاسع عشر. وقد وصف بأنه دائرة المعارف الإسلامية الأولى ، وكان "ديربيلو" قد استعان بمصادر عربية وتركية وفارسية ، وبذل جهدا صادقا لإزالة الغشاوة التى أعمت أبصار أصحاب المنهج المسيحي القديم ، فقدم ، على سبيل المثال ، صورا مختلفة لأساطير خلق الكون الشائعة في الشرق ، وكان من المحتوم أن يتسم هذا المنهج بالإيجابية، وكان دليلا على وجود روح أقرب إلى الصحة قليلا. ومع ذلك ، ففي الباب الذي يتحدث فيه عن "محمد" نجد ما يبعث على الأسى، إذ يردد الأقوال المألوفة مثل:

هذا هو الدجال الشهير محمد، صاحب ومؤلف بدعة اكتسبت اسم الدين ، ونسميها "المذهب المحمدي".

انظر باب الإسلام . وقد نسب مفسرو القران وغيرهم من فقهاء الشريعة الإسلامية أو المحمدية إلى هذا النبي الكاذب جميع الفضائل التى ينسبها الآريون ،أو البولسيون [أتباع القديس بولس] أو المتشبهون بهم ، وغيرهم من دعاة البدع ، إلى يسوع المسيح ، دان كانوا ينزعون عنه صفة القداسة [23]

أدراك "ديربيلو" للاسم الصحيحللدين لم يمنعه من مواصلة الإشارة إليه باسم "المحمدية" ، وذلك لأنه الاسم الذي نطلقه "نحن " عليه ، وعلى نفس المنوال ، استمر العالم المسيحي في النظر إلى النبي نظرة شائهة باعتباره صورة "لنا " وإن كانت أدنى وأحط شأنا .

وفى نفس العام نشر مستشرق إنجليزي يدعى "همفرى بريدو" كتابا مهما عنوانه "محمد: طبيعة الدجل الحقيقية" ، ويكفى العنوان وحده لإيضاح مدى استغراقه في التعصب القروسطى القديم - والواقع أنه يستشهد بأقوال ريكولدو دامونتى كروتشى باعتبارها مصدره الأساسي - وذلك رغم زعمه أنه قد توصل إلى نظرة إلى الدين تتميز بالمزيد من العقلانية والتنوير عما كان يمكن تحقيقه في كنف ظلام العصور الوسطى وخزعبلاتها . وهكذا فإن بريدو، باعتباره من أنصار العقل ، يقول إن الإسلام لا يقتصر على كونه محاكاة للمسيحية فحسب ، بل هو نموذج واضح لمستوى البلاهة الذي يمكن أن ينحط إليه أي دين ، وليست المسيحية باستثناء من ذلك ، ما لم تكن للدين أسس راسخة على صخرة العقل الصلبة . إننا نفترض أن عصر العقل قد حرر الأذهان من التعصب الديني المعوق الذي اتسمت به فترة الحملات الصليبية، ولكن بريدو يكرر جميع الأفكار غير العقلانية التى تسلطت على الأذهان في الماضي، إذ كتب يقول عن محمد:

كان الشطر الأول من حياته يتسم بالإباحية الشديدة والآثام البالغة ، إذ كان يجد متعة كبيرة في السلب والنهب و إهراق الدم ، وفقا لما جرت عليه عادات العرب الذين كان يميل معظمهم إلى سلوك هذا السبيل ، فكانوا على الدوام تقريبا أ في تناحر، إذ تتقاتل القبائل ليغنم بعضها من الآخر كل ما يستطيع أن يغنمه . . .

كانت النزعتان اللتان تملكان لبه هما الطموح والشهوة، وكان السبيل الذي سلكه لبناء الإمبراطورية دليلا ساطعا على النزعة الأولى، وكانت زوجاته الكثيرات دليلا قاطعا على النزعة الثانية. والواقع أن النزعتين تسيطران على إطار دينه برمته ، فلا يكاد فصل من فصول القرآن يخلو من ذكر قانون من قوانين الحرب و إراقة الدماء تحقيقا للنزعة الأولى، أو ينص على حرية معاشرة النساء في هذه الدنيا، أو الوعد بالاستمتاع بهن في الدار الآخرة ، تحقيقا للنزعة الأخرى[24].

ولكن القرن الثامن عشر شهد بعض الجهود الرامية إلى وضع تفهم أكثر دقة للإسلام . ففي عام 1708 أصدر سايمون أوكلى المجلد الأول من كتابه تاريخ المسلمين الذي أغضب كثيرا من القراء لأنه لم يصور الإسلام على أنه دين السيف (أي أن يسقط عليه مشاعر القراء تجاه أنفسهم ) ولكنه حاول أن ينظر إلى الجهاد في القرن السابع من وجهة نظر المسلمين . وفى عام 1734 نشر جورج سيل ترجمة رائعة للقرآن ما تزال تعتبر دقيقة رغم افتقار أسلوبها إلى البريق . وفى عام 1751 نشر فرانسو فولتير كتابا بعنوان "أخلاق الأمم وروحها" دافع فيه عن محمد باعتباره مفكرا سياسيا عميق الفكر، ومؤسس دين عقلاني حكيم ، ومشيرا إلى أن الدولة الإسلامية كانت تتمتع دائما بالتسامح الذي يزيد عما تتسم به التقاليد المسيحية . وكان المستشرق الهولندي يوهان يعقوب رايسكى (ت 1774 ) دارسا لا يجارى للغة العربية ، استطاع أن يستجف المسحة الربانية في حياة محمد ونزول الإسلام (ولكن بعض زملائه اضطهدوه بسبب هذه الجهود).

و نمت إبان القرن الثامن عشر أسطورة أخرى تصور محمدا على أنه رجل حكيم من رجال التشريع العقلاني في إطار حركة التنوير الأوربية . وقد نشر الكونت هنري دى بولإنييه كتابه حياة محمد (في باريس عام 1730 ولدن عام 1731) الذي يصور النبي في صورة المبشر بعصر العقل. و كان بولانفييه يتفق مع القروسطيين في أن محمدا قد ابتدع دينه حتى يسود العالم ، ولو أنه قلب التقاليد كلها رأسا على عقب . وقال إن الإسلام يختلف عن المسيحية في أنه تراث "طبيعى" أي غير منزل ، وان ذلك مصدر روعته . ويضيف أن محمدا كان بطلا عسكريا مثل يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر، وذلك بطبيعة الحال وهم من الأوهام ، لم يكن محمد، قطعا، ممن اهتدوا بالعقل وحده إلى وجود الله ، ومع ذلك فكان الكتاب يمثل محاولة للنظر إلى النبي في ضوء إيجابي . وفى نهاية القرن ، أثنى إدوارد جيبون في الفصل الخمسين حمن كتابه "تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" على عقيدة التوحيد السامية في الإسلام ، وبين أن الجهود الإسلامية جديرة بمكانة مرموقة في تاريخ الحضارة العالمية.

و لكن التعصب القديم كان راسخا إلى الحد الذي جعل الكثير من الكتاب يعجزون عن مقاومة التعريض ، دون مبرر، بالنبي من حين لآخر، مما يدل على أن الصورة التقليدية لم تمت . وهكذا نجد سايمون أوكلى يصف محمدا بأنه "رجل بارع الدهاء واسع الحيلة، إذ كان يتظاهر فحسب بالصفات الحميدة المنسوبة إليه ، أما دوافعه النفسية فهي الطموح والشهوة"[25]. ويقول جورج سيل في مقدمة ترجمته للقران : "إن أحد الأدلة المقنعة على أن العقيدة المحمدية لم تكن قطعا سوى ابتكار بشرى هو أنها تدين بنشوئها وتطورها إلى السيف وحده تقريبا"[26]. وينتهي فولتير في آخر مقاله عن أخلاق الأمم المذكور آنفا ، والذي يصف فيه الإسلام وصفا إيجابيا، إلى القول بأن محمدا كان "يعتبر رجلا عظيما، ولم يختلف على ذلك من كانوا يعرفون أنه دجال ، كما كان سائر الناس يبجلونه باعتباره نبيا"[27].

و في عام 1741 كتب فولتير مسرحية عنوانها محمد أو التعصب ، وفيها يستعين بالكراهية الشائعة لمحمد في جعله نموذجا لجميع الدجالين الذين أحالوا شعوبهم إلى"عبيد للدين متوسلين بالتحايل والأكاذيب . وعندما وجد أن بعض الأساطير القديمة لم تكن فاحشة إلى الحد الذي يرضيه ، عمد إلى ابتداع أساطير جديدة أفعمت قلبه فرحا. بل إن جيبون لم يشغل نفسه طويلا بشخصية محمد، فزعم أنه قد دفع العرب على اتباعه من خلال إغرائهم بالغنائم والجنس . أما عن اعتقاد المسلمين بأن القران قد أملاه الوحي المنزل على النبي، فقد اصطنع جيبون نبرة تعال وترفع قائلا إن الإنسان المتحضر حقا يرى ذلك من قبيل المحال:

إن تلك الحجة تخاطب ، بكل قوة، العربي المخلص الذي يقبل عقله منطق الإيمان والنشوة الدينية ، والذي تلتذ أذنه بموسيقى الأصوات ، والذي يعجز جيله عن عقد المقارنات بين ثمار قرائح العبقرية البشرية، فتناغم الأسلوب و جزالته لا يستطيعان التأثير، بعد الترجمة، في الكافر الأوربي ، الذي سوف يضيق ذرعا بمتابعة المعزوفة التى لا تنتهي، والتي تتسم بالنشاز، والحافلة بالأساطير و المفاهيم المجردة و النبراتالخطابية ، وآلتي نادرا ما تثير إحساسا أو توحي بفكرة، و آلتي أحيانا ما تزحف في التراب ، وأحيانا ما تضيع في ثنايا السحاب "[28]. وينم ذلك على أن الغرب قد اكتسب الثقة في ذاته ، إذ لم يعد الأوربيون يجفلون فرقا من الخطر الإسلامي، بل أصبحوا ينظرون إلى الدين الإسلامي نظرة المترفع الذي يجد فيه بعض التسلية والترفيه ، وأصبحوا بفترضون أننا إذا "نحن"، لم نفهم القرآن ، فلابد أنه ليس على شئ . وهكذا فعل توماس كارلايل عام 1841 في محاضرته عن النبي محمد وآلتي كان عنوانها "البطل باعتباره نبيا" إذ أعلن رفضه وازدراءه للقرآن . ومع ذلك فقد كانت تلك المحاضرة دفاعا مشبوبا عن محمد و إنكارا للوهم القروسطى القديم . لقد كان كارلايل ، ولأول مرة تقريبا في أوربا ، يحاول أن يرى محمدا باعتباره صاحب دين حقيقي، حتى في غضون استهانته بالقران و اعتباره أكثر كتاب يبعث على الملل في العالم ، إذيقول إنه "خليط غير مترابط ، يرهق القارئ ، غليظ النسج ركيك التركيب ، غاص بالتكرار، و بالإسهاب والمعاظلات التى لا انتهى ، وباختصار، فهو بالغ الغلظة والركاكة . الغباء الذي لا يطاق "[29].

و قد وقعت حادثة في آخر القرن الثامن عشر، كان لها مغزاها، إذ بينت السبيل الذي بدأت الثقة الأوربية الجديدة تسير فيه . ففي عام 1798 أبحرت نابليون قاصدا مصر، بصحبة العشرات من المستشرقين العاملين في معهد ،الدراسات المصرية الذي كان قد أنشأه . وكان قد بيت العزم على الانتفاع بالتقدم العلمي الذي أحرزوه ، وقدرتهم على تفهم الشرق ، في إخضاع العالم الإسلامي وتحدى السيطرة البريطانية على الهند وما إن رست السفن حتى أرسل نابليون هؤلاء العلماء في مهمة محددة، مما نطلق عليه اليوم "بعثة لتقصى الحقائق " ، وأصدر الأوامر الصارمة إلى جنوده بألا يعصوا أوامر العلماء . والواضح أن هؤلاء العلماء قد درسوا الموضوع دراسة مستفيضة . وكان نابليون قد استهل خطابه إلى جماهير المصريين في الإسكندرية قائلا "إننا نحن المسلمون حقا" على ما في هذا القول من سخرية مريرة، ثم استدعى ستين شيخا من شيوخ الأزهر، وهو المسجد العظيم في القاهرة، فجاءوه تحفهم أسمى مراسم التكريم العسكرية، ومن ثم انطلق في الحديث فامتدح النبي بعبارات توخى فيها الحرص الشديد، وناقش معهم كتاب محمد الذي وضعه فولتير، ويبدو أنه نجح في حواره مع كبار العلماء . والواقع أن الناس لم تصدق زعم نابليون ، أنه مسلم ، ولكن فهمه وتعاطفه للإسلام خفف من حدة عداء السكان تخفيفا كبيرا. ولم تتمخض حملة نابليون عن أي شئ ، إذ كان مالها الهزيمة على أيدي الجيوش البريطانية والتركية ، ومن ثم أبحر عائدا إلى أوربا.

أما القرن التاسع عشر، فقد اتسم بالروح الاستعمارية التى أوحت للأوربيين بعقيدة سقيمة هي تفوقهم على الأجناس الأخرى وشعورهم بأن من واجبهم إنقاذ العالم الهمجي في إفريقيا وآسيا، والقيام في هذا الطريق بحملرسالة الحضارة إليهم . وقد أدى ذلك حتما إلى التأثير في النظرة الغربية إلى الإسلام ، خصوصا بسبب أطماع الفرنسيين والبريطانيين في الإمبراطورية العثمانية المضمحلة . وهكذا نجد في كتابات أحد أنصار المسيحية في فرنسا وهو "فرانسوا رينيه دى شاتوبريان "، على سبيل المثال ، إحياء للمثل الصليبي الأعلى، مع تطويعه لمواءمة الأحوال الجديدة، بعد أن بهرته حملة نابليون ، ورأى فيه سمات الحجاج الصليبيين . فكتب يقول إن الصليبيين حاولوا نشر المسيحية في الشرق ، وهى أقرب الأديان إلى "إذكاء روح الحرية" ، ولكنهم اصطدموا في جهودهم الصليبية بالإسلام ، وهو "عقيدة معادية للحضارة ، وهى تشجع بانتظام على انتشار الجهل والاستبداد و الرق"[30]. وهكذا أصبح الإسلام من جديد، إبان التهور الذي أعقب الثورة الفرنسية، نقيضا لما "نحن " عليه . وكان بعض نقاد الإسلام ، أيام الفكر الطبقي الذي ساد العصور الوسطى، يهاجمون محمدا لأسنه منح الطبقات الدنيا سلطات أكثر مما ينبغى - مثل العبيد والنساء . وقد انعكس بعد الثورة الفرنسية هذا الوضع ، لا بسبب زيادة معرفة الناس بالإسلام ، بل لأنه أصبح ملائما لما نحتاج "نحن " إليه ، ولأنه أصبح "الآخر" الذي يمكن أن نحكم على إنجازاتنا بالقياس إليه.

و في عامى 1810 و 1811نشر شاتوبريان كتابا لاقى نجاحا ساحقا عنوانه الرحلة من باريس آلي أورشليم ومن أورشليم آلي باريس أطلق فيه العنان لخياله الصليبي في وصف الأحوال في فلسطين ، فكتب يقول إن مظهر العرب يوحي بأنهم جنود بلا قائد، ومواطنون بلا مشرعين ، وأسرة بلا أب "، وهم نموذج للإنسان المتحضر الذي سقط من جديد في هوة الهمجية و الوحشية"[31] ومن ثم فإن حالهم يستدعى سيطرة الغرب ، لأسنه من المحال أن يتولوا بأنفسهم إدارة شئونهم . أما القرآن فيقول إنه لا يتضمن "مبدأ واحدا من مبادئ الحضارة، ولا فرضا يسمو بأخلاق الإنسان " ، فالإسلام يختلف عن المسيحية في أنه "لا يحض على كراهية الطغيان أو على حب الحرية"[32].

حاول إرنست رينان ، عالم اللغة الفرنسي الذائع الصيت أن يقدم تفسيرا عميقا ، لهذه الأساطير العنصرية والإمبريالية الجديدة ، فقال إن العبرية والعربية من اللغات المنحطة، وهما تمثلان انحرافا عن التقاليد الآرية، ومن ثم -جمحت عيوبهما تستعصي على العلاج . وقال إنه لا ينبغى دراسة هاتين اللغتين الساميتين إلا بم اعتبارهما نموذجا للتطور الذي توقف عند مرحلة قي ، وانهما تفتقران إلى الطبيعة المتقدمة والمتطورة للنظم اللغوية لدينا إ"ت ا ، ولذلك فإن كلا من اليهود والعرب يمثلون "مجموعة متدنية من عناصر الطبيعة البشرية". ويضيف قائلا:

"يشهد المرء دلائل في كل شئ على أن العنصر السامي، فيما يبدو لنا، عنصر ناقص بسبب بساطته. وإذا كان لي أن أضرب لذلك مثلا، قلت إن مقارنته بالأسرة الهندية الأوربية تشبه مقارنة رسم بالقلم الرصاص بلوحة زيتية، فهو يفتقر إلى التنوع والثراء والحفول بالحياة، وهى شروط الكمال. إن الأمم السامية تشبه الأفراد الذين لا يتمتعون إلا بأدنى قسط من الخصوبة، فإذا انتهت طفولتهم السعيدة، لم يصلوا إلا إلى أقل حد مات الفحولة، فلقد شهدت هذه الأمم عصر ازدهارها الكامل في مطلع حياتها، ولكنها لم تستطع مطلقا أن تبلغ النضج الحقيقي"[33].

و هكذا يظهر الكاتب اليهود والعرب في بوتقة واحدة، ليخرج صورة موحدة تعلى من شأن شمائلنا "نحن " وتؤكد تفوقها . ولقد كان لهذه النزعة العنصرية الجديدة عواقبها الوخيمة، بطبيعة الحال ، على اليهود في أوربا . إذ استقى هتلر ما يلزمه من أنماط الكراهية المسيحية القديمة في حملته العلمانية الصليبية على اليهود، فلم يكن يطيق وجود عنصر أجنبي على التربة الأوربية الارية النقية.

لم يكن قد بقى أحد من المسلمين في أوربا، ولكن البريطانيين والفرنسيين شرعوا إبان القرن التاسع عشر في غزو أراضى المسلمين . ففي عام 1830 قام الفرنسيونباحتلال الجزائر، وقام البريطانيون عام 1839 باحتلال عدن ، وتقاسموا استعمار تونس (1881) ومصر (1882) والسودان (1898) وليبيا والمغرب (1912). ورغم ما تعهدوا به من منح البلدان العربية استقلالها بعد هزيمة الإمبراطورية التركية ، قام البريطانيون والفرنسيون عام 1920 بتقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق تحت الانتداب أو تحت الحماية لكل من الجانبين . والعالم الإسلامي اليوم يقرن الإمبريالية الغربية وجهود التبشير المسيحية بالحملات الصليبية. وهو لا يخطئ في ذلك. فعندما وصل الجنرال أللنبى إلى القدس في عام 1917 أعلن أن الحملات الصليبية قد اكتملت ، وعندما وصل الفرنسيون إلى دمشق ، اتجه قائدهم إلى ضريح صلاح الدين في المسجد الكبير و صاح قائلا "لقد عدنا يا صلاح الدين !" وكانت جهود التبشير المسيحية تؤازر المستعمرين ، وتحاول تقويض الثقافة الإسلامية التقليدية في البلدان المفتوحة، كما حظيت الطوائف المسيحية المحلية، مثل المارونيين في لبنان بدور كبير لا يتناسب مع حجمها في إدارة البلد الخاضع للحماية . وقد يحتج المستعمرون بأنهم كانوا يأتون بالتقدم والتنوير، ولكن جهودهم كانت تستند إلى العنف والاحتقار. وقد استغرق فرض السلام في الجزائر مثلا سنوات عديدة، وكان المستعمرون ينقضون بوحشية على كلمن يحاول المقاومة، ويشنون الغارات الانتقامية لهذا الغرض . ويصور لنا المؤرخ الفرنسي المعاصر م. بودريكور إحدى هذه الغارات قائلا:

وحتى جنودنا الذين عادوا من الغارة كانوا يشعرون بالخجل . . . إذ احرقوا نحو 18000 شجرة، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ. و كانت النساء أسوأ الجميع حظا إذ كن يتزين بالأقراط والخلاخيل والأساور الفضية فأثرن الطمع فيها، ولم تكن لها مفاتيح مثل مفاتيح لأساور الفرنسية بل كانت توضع حول المعاصم والكواحل في الطفولة، فإذا كبرت الفتاة ونمت أعضاؤها لم تتمكن من نزعها، ولم يستطع جنودنا أن يحصلواعليها إلا بقطع أطراف النساء وتركهن في فيد الحياة وقد تشوهت أجسامهن[34].

و قد أظهر المستعمرون ازدراءهم الراسخ للإسلام ، فانتقد اللورد كرومر في مصر محاولة الشيخ محمد عبده ، المفكر المتحرر، (ت 905 ا) لإعادة صياغة بعض الأفكار الإسلامية التقليدية . وأعلن أن الإسلام عاجز عن إصلاح نفسه ، و أن العرب عاجزون عن بث حياة جديدة في مجتمعهم . وقد فسر ذلك في كتابه الأساسي الذي يقع في مجلدين وعنوانه مصر الحديثة بقوله إن "الشرقي" يتسم بنزعة طفولية لا رجاء في تغييرها، ويعتبر النقيض الكامل لما نحن عليه:

قال لي السير ألفريد ليال ذات يوم : "الدقة بغيضة للعقل الشرقي . وعلى كل إنجليزي هندي أن يذكر تلك الحقيقة دائما " والواقع أن الافتقار إلى الدقة، وهو الذي يتفاقم بسهولة فيتخذ صورة الكذب ، هو الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي.

إن الأوربي يعتمد اعتمادا كبيرا علىعقله وهو يذكر الحقائق بأسلوب لا لبس ولا غموض فيه ، فهو منطقي بالفطرة حتى ولو لم يدرس المنطق ، وهو بطبيعته ينزع إلى الشك ويطلب الدليل قبل أن يقبل صدق مقولة ما، وذكاؤه المدرب يشبه الآلة في عمله . أما العقل الشرقي فهو يفتقر مثل شوارعه الجميلة إلى الاتساق والتنظيم . وأما قواعد الاستدلال التى يرتكن إليها فهي غير محكمة إلى أبعد حد. ومع أن العرب القدماء قد أحكموا إلى حد بعيد علم الجدل والقياس ، فإن أحفادهم يفتقرون افتقارا بالغا إلى ملكة المنطق . وكثيرا ما يعجزون عن التوصل إلى أوضح النتائج استنادا إلى آي مقدمات بسيطة يقرون بأنها صحيحة"[35].

و هكذا، ومع أن علماء الغرب لم يتوقفوا عن محاولة رسم صورة تتسم بالمزيد من الموضوعية عن العالم العربي والعالم الإسلامي، فإن التفوق الاستعماري جعل الكثيرين يرون أن "الإسلام " غير جدير بأن يولوه اهتماما جادا.

ولاشك أن هذا الموقف الغربي الجارح للمشاعر قد نجح في إغضاب العالم الإسلامي. ومشاعر العداء للغرب قد تبدو اليوم شائعة بين المسلمين ولكن ذلك من التطورات الجديدة كل الجدة . فإذا كان الغرب قد استند إلى الأوهام في اعتباره أن محمدا هو العدو. فإن معظم المسلمين كانوا لا يعرفون شيئا عن الغرب إلا منذ نيف ومائتي عام . كان للحملات الصليبية دور أساسي في تاريخ أوربا وأثرت تأثيرا لا ينكر في تكوين الهوية الغربية على نحو ما سبق لي أن أوضحت في كتاب آخر[36]. ولكن الحملات الصليبية، على تأثيرها الواضح والعميق في حياة المسلمين في الشرق الأدنى، لم تؤثر إلا تأثيرا طفيفا في سائر العالم الإسلامي، إذ لم تكن تعتبر إلا أحداثا بعيدة على حدود البلدان الإسلامية الأخرى ، ولم يتأثر قلب الإمبراطورية الإسلامية في العراق وإيران على الإطلاق بذلك العدوان الغربي القروسطى . ومن ثم لم ينظر المسلمون هناك إلى الغرب باعتباره العدو . وعندما كان المسلمون يتحدثون عن العالم المسيحي، لم يكونوا يقصدون الغرب بل كانوا يقصدون بيزنطه فأوربا الغربية كانت تبدو لهم آنذاك برية همجية وثنية، ولاشك أنها كانت متخلفة بأشواط طويلة عن سائر العالمالمتحضر.

ولكن أوربا نهضت وانطلقت لتلحق بالركب ، دون أن يدرك العالم الإسلامي - الذي كانت همومه الخاصة تشغله - ما حدث . وكانت حملة نابليون على مصر الحدث الذي فتح عيون الكثيرين من ذوى البصر في الشرق الأدنى ، وما أكثر ما بهرهم سلوك الجنود الفرنسيين الذي ينم على البساطة و الثقة معا في الجيش الذي تكون بعد الثورة. ودائما ما كان المسلمون يستجيبون للأفكار التى تأتى بها الثقافات الأخرى، وسرعان ما استجاب الكثيرون للأفكار الغربية الأساسية الخاصة بالتحول إلى العالم الحديث . وفى مطلع القرن العشرين كان جميع المفكرين الكبار فيالعالم الإسلامي تقريبا قد اصبحوا من دعاة التحرر والأخذ بالنظم الغربية . وربما كان هؤلاء المتحررون يكرهون الإمبريالية الغربية ، ولكنهم كانوا يتصورون أن المتحررين في أوربا سوف يقفون في صفهم ويعارضون أمثال اللورد كرومر. كانوا معجبين بأسلوب الحياة الغربية، إذ بدا لهم أنه يقوم على كثير من المثل العليا التى تمثل صلب التقاليد الإسلامية . ومع ذلك فلقد فقدنا في السنوات الخمسين الأخيرة تلك النوايا الطيبة . وكان من أحد أسباب غضب العالم الإسلامي أنه اكتشف تدريجيا مدى العداء والازدراء لنبي الإسلام ، وللدين الإسلامي،وهى من المشاعر التى تضرب بجذورها في الثقافة الغربية، والتي يرى المسلمون أنها ما تزال تؤثر في سياسة الغرب إزاء البلدان الإسلامية حتى في الفترة التى أعقبت الاستعمار.

وتقول الكاتبة السورية رنا قباني في كتابها رسالة إلى العالم المسيحي :

أليس الضمير الغربي ضميرا انتقائيا؟ إن الغرب يتعاطف مع المجاهدين الأفغان ، الذين يساندهم جهاز الاستخبارات الأمريكية ، شأنهم في ذلك شأن جماعات الكونترا في نيكاراغوا، ولكنه لا يشعر بأي تعاطف مع المناضلين المسلمين الذين لا يحاربون من أجل معارك الحرب الباردة، بل لهم شواغلهم السياسية الخاصة . وفى الوقت الذي أكتب فيه هذا الكلام يموت الفلسطينيون كل يوم في الأراضي المحتلة - وقد بلغ عدد القتلى في آخر إحصاء 600 قتيل تقريبا، وجرح ما يربو على 30000 إلى جانب الذين زج بهم في المعتقلات دون محاكمة ووصل عددهم إلى 20000 شخص . . . ومع ذلك فمازالت عيون الغرب ترى أن إسرائيل بلد ديمقراطي ، وحصن أمامي من حصون الحضارة الغربية .ماذا عسانا أن نظن بأمثال هذه المعايير المزدوجة؟[37]

قد يكون الغرب مسئولا إلى حد ما عن نشوء الصيغة الأصولية الجديدة للإسلام ، وهى التى تقترب من زاوية معينة - وهى زاوية كريهة - من أوهامنا القديمة، إذ نجد الكثيرين في العالم الإسلامي اليوم يرفضون الغرب باعتباره كافرا وظالما ومنحلا . ويحاول بعض علماء الغرب مثل ماكسيم رودانسون ، وروى متحدة، ونيكى كيدى ، وجيل كيبيل ، إدراك معنى هذه النزعة الإسلامية الجديدة . ولكن محاولاتهم ، كالعادة، للتوصل إلى تفهم أكثر موضوعية و تعاطفا للأزمة الراهنة في العالم الإسلامي لا يأبه لها إلا الأقلية . وهناك أصوات أخرى ذات طابع عدواني فهي لا تريد الفهم بل تريد إذكاء تقاليد الكراهية القديمة.

و لكن الصيغة الأصولية الجديدة للإسلام لم تنشأ نتيجة لكراهية الغرب فحسب ، بل ولا تعتبر حركة متسقة بأي معنى من المعاني، فما يشغل الأصوليين في المقام الأول هو تنظيم أوضاعهم الداخلية والقضاء على التمزق الثقافي الذي تعرض له الكثيرون في الآونة الأخيرة . والحق أنه من المتعذر إصدار أحكام عامة عن نشأة الصورة المتطرفة لهذا الدين ، فهي لا تقتصر على الإختلاف من بلد إلى بلد، بل تختلف كذلك من مدينةإلى مدينة ومن قرية إلى قرية. إذ يشعر الأشخاص أنهم فد انفصلوا عن جذورهم ، بعد أن تغلغلت الثقافة الغربية في نسيج حياتهم. بل إن أثاث منازلهم نفسه قد تعرض لتغيير كبير حتى أصبح من الشواهد المقلقة على السيطرة، وعلى الخسارة الثقافية. واللجوء إلى الدين عند الكثيرين معناه محاولة العودة إلى الجذور واستعادة هوية تتعرض لخطر داهم. وكل منطقة تشهد نمطا مختلفا تمام الاختلاف من أنماط الإسلام ، وهو نمط يميز طابعها الخاص ويتأثر تأثرا عميقا بالتقاليد والظروف المحلية ، وهى التى لا ترتبط بصورة خاصة بالدين . ويقول مايكل جيلسينانفي كتاب أصبح من أمهات الكتب وعنوانه التعرف على الإسلام والدين والمجتمع في الشرق الأوسط : إن الاختلافات فيما بين المناطق الشاسعة إلى الحد الذي لا يجدى معه استخدام مصطلح "الإسلام " أو "الأصولية" في تعريف المحاولة الراهنة للإفصاح عما يمر به أبناء الشرق الأوسط في فترة ما بعد الاستعمار. ولاشك أن الظاهرة أشد تعقيدا بمراحل مما توحي به أجهزة الإعلام . ومن المحتمل أن الكثيرين من المسلمين في تلك المنطقة يخامرهم نفس الشعور بالخوف وفقدان الهوية الذي تعرض له شهداء قرطبة الذين كانوا يحسون أن قوة أجنبية كانت تنخر ثقافتهم وقيمهم التقليدية.

لقد دأبنا على وضع أنماط وقوالب جديدة للتعبير عن كراهيتنا "للإسلام " التي يبدو أنها أصبحت راسخة في وجداننا، ففي السبعينيات تملكتنا صور أثرياء النفط ، وفى الثمانينيات كانت الصورة صورة "آية الله " المتعصب ، أما منذ مسألة سلمان رشدي فقد أصبحت صورة "الإسلام " هي صورة الدين الذي يهدر دم الإبداع وحرية الفنان . ولكن الواقع لا تمثله أي صورة من هذه الصور، بل يتضمن عناصر أخرى لا حصر لها. ولكن ذلك لا يمنع الناس من إصدار الأحكام العامة التى تفتقر إلى الدقة . وتستشهد رنا قباني ببعض الأقوال العدائية التى وردت على لسان فاى ويلدون ، وكونور كروز أوبريان . ففي كتاب بعنوان "الأبقار المقدسة" ، وهو الذي أصدرته فاى ويلدون لإبداء وجهة نظرها في مسألة سلمان رشدي، كتبت تقول:

يعمل القرآن على قمع التفكير، وهو ليس قصيدة يمكن أن يبنى عليها المجتمع بناء سالمة أو عاقلا، بل إنه يضع الأسلحة والقوة في أيدي شرطة مصادرة الفكر، وما أيسر أن ندفع أفراد هذه الشرطة على الانطلاق ، وهم يقذفون الرعب في القلوب .. . وأرى أنه نص محدود، بل ويفرض الحدود والقيود من حيث تفهم التعريف الذي أضعه لله[38].

وينحصر تعليقي على هذه الأقوال في أنها لا تتفق مع خبرتي في دراسة القرانوتاريخ الإسلام ، ولو أن كلامي هذا سيجلب لي تهمة النفاق من وجهة نظر كونور كروز أوبريان ، الذي يحيى التقاليد التى تعتبر أي احترام للإسلام بمثابة خيانة ثقافية . إذ كتب يقول إن المجتمع الإسلامي يبدو باعثا على النفور العميق . . . هو يبدو منفرا لأنه منفر. . . فإذا قال أحد أبناء الغرب إنه معجب بالمجتمع الإسلامي مع مواصلة التمسك بالقيم الغربية فهو إما منافق أو جهول ، أو ربما كان يجمع بين بعض عناصر النفاق والجهل معا.

ويختتم أوبريان كلامه قائلا "إن المجتمع العربي مريض ، ولقد ظل في مرضه ردحا طويلا من الزمن . ففي القرنالماضي كتب المفكر العربي (هكذا) جمال الدين الأفغاني يقول (إن كل مسلم مريض، وعلاجه الوحيد في القرآن ). ولكن المرض يتفاقم ، للأسف ، كلما ازدادت جرعة الدواء"[39].

و لكن هذا الاتجاه الصليبي لا يسير فيه جميع النقاد، بل إن كثيرا من العلماء في هذا القرن قد حاولوا توسيع تفهم الغرب للإسلام ، مثل لويس ماسينيون ، و هـ . أ. ر. جيب ، وهنري كوربان ، وآن مارى شيمل ، ومارشال ح . س . هودجسون ، و ويلفريد كانتويل سميث . إذ حذوا حذو بيتر المبجل و جون سيجوفيا، ولجئوا إلى البحث العلمي لدحض تعصب زمانهن. ولقد نجح الدين ، على امتداد قرون طويلة، في إذكاء التفاهم الجاد بين أفراد مجتمع من المجتمعات . وقد يفشل الناس أحيانا في التعبير عن مثلهم الدينية العليا بالصورة التى يبغونها، ولكنهم قد ساعدوا على إقامة أفكار العدالة والخير والاحترام والتعاطف مع الآخرين ، بحيث أصبحت تمثل المعيار الذي نستطيع أن نقيس به ضروب سلوكنا . وتثبت الدراسة الجادة للإسلام أن المثل القرآنية العليا قد ساهمت مساهمة كبرى، على امتداد 1400 سنة، في انتعاش الحياة الروحية للمسلمين . بل إن بعض العلماء، مثل الباحث الكندى المبرز "ويلفريد كانتويل سميث " ، يقول إن الشريحة المسلمة من المجتمع الإسلامي لا تزدهر إلا إذا كان الإسلام قويا وحيويا، و نقيا وخلاقا وسليما"[40] ويرجع جانب من المشكلة الغربية إلى أن الغرب ظل، على امتداد قرون طويلة، ينظر إلى محمد باعتباره نقيض الروح الدينية و عدوا للحضارة المهذبة . وربما يكون علينا إذن ، أن نحاول أن ننظر إليه.



[1] تورد المؤلفة هنا أبياتا قبيحة لا يليق نشرها بالعربية عن رسول الإسلام ، و قد سبق للأستاذ حسن عثمان أن أثار إليها في ترجمته قائلا : "ولقد حذفت من الأنشودة (رقم 28) أبياتا وجدتها غير

جديرة بالترجمة، وردت عن النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام . و قد أخطأ في ذلك دانتي خطا جسيما تأثر في بما كان ساندا في عصره ، في المؤلفات أو بين العامة، بحيث لم يستطع أهل الغرب

وقتئذ تقدير رسالة الإسلام الحقة وفهم حكمته الإلهية (ص 365من الترجمة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1959) . و لا يعتقد المترجمان أن حذت الآبيات ينتقض من الهدف الذي تسعى المؤلفة إلى إبرازه

، فهي أبيات قبيحة لا تليق بشاعر كبير؟ إن كان التراث العربي في الهجاء حافلا بأمثالها .



[1] John of Joinville, The Life of St louis, trans. Rene Hague and ed. Natalis de Wailly (London, 1955), p. 36.

[2] Paul Alvaro, Indiculus Lccminosus, quoted in R.W. Southern, Western Views of Islam in the Middle Ages (London, 1962), p. 21.

[3] Perfectus was probably a Latin version of the Arab name al‑Kamil (the Complete One); other martyrs were called Servus Dei, which must be a translation of Abdallah (the Slave of God).

[4] Paul Alvaro, Vita Eulogii, quoted in Norman Daniel, The Arabs and Medieval Europe (London and Beirut, 1975), p. 29.

[5] II Thessalonians 1: 4‑8. The author was not St Paul; the letter was written years after Paul's death.

[6] Revelation 19:19.

[7] Gesta Francorum or The Deeds of the Franks and Other Pilgrims to Jerusalem, traps. Rosalind Hill (London, 1962), p. 22.

[8] Southern, Western Views of Islam, p. 29.

[9] Quoted in Daniel, The Arabs and Medieval Europe, p. 156.

[10] The Comedy of Dante Alighieri, Cantica I: Hell, traps. Dorothy L. Sayers (London, 1949), Canto XXVIII: 22‑7, p. 246.

[11] Gesta Regum, quoted in Southern, Western Views of Islam, p. 35.

[12] Chronicon, in ibid., p. 36.

[13] Quoted in Benjamin Kedar, Crusade and Mission: European Approaches to the Muslims (Princeton, 1984), p. 99.

[14] Ibid., p. 101.

[15] Quoted in Regine Pernoud, The Crusaders, traps. Enid Grant (Edinburgh and London, 1963), p. 221.

[16] Ibid.

[17] Kedar, Crusade and Mission, pp. 125‑6.

[18] Quoted in Pernoud, The Crusaders, pp. 222‑3.

[19] Umberto Eco, `Dreaming of the Middle Ages', in travels in Hyper‑Reality, traps. William Weaver (London, 1987), p. 64.

[20] Quoted in Southern, Western Views of Islam, pp. 79‑80.

[21] Daniel, The Arabs and Medieval Europe, p. 302.

[22] Norman Daniel, Islam and the West.' The Making of an Image (Edinburgh, 1960), pp. 284‑5.

[23] Quoted in Edward W. Said, Orientalism: Western Conceptions of the Orient (New York and London, 1985 edn), p. 66.

[24] Humphry Prideaux, The True Nature of Imposture, Fully Displayed in the Life of Mahomet (7th edn, London, 1708), p. 80.

[25] Daniel, Islam and the West, p. 297.

[26] Ibid., p. 300

[27] Ibid., p. 290.

[28] The Decline and Fall of the Roman Empire, ed. Dero E. Saunders, abridged in one volume (London, 1980), pp. 657‑8.

[29] On Heroes and Hero‑Worship (London, 1841), p. 63.

[30] Quoted in Said, Orientalism, p. 172.

[31] Ibid.

[32] Ibid., p. 171.

[33] Histoire generale, quoted in ibid., p. 149.

[34] M. Baudricourt, La Guerre et le gouvernement de l'Algerie (Paris, 1853), p. 160.

[35] Quoted in Said, Oreintalism, p. 38.

[36] Holy War: The Crusades and Their Impact on Today's World (London, 1988).

[37] Rana Kabbani, Letter to Christendom (London, 1989), p. 54.

[38] Fay Weldon, Sacred Cows (London, 1989), pp. 6, 12.

[39] 39. Conor Cruise O'Brien, The Times, 11 May 1989.

[40] Islam in Modern History (Princeton and London, 1957), pp. 304‑5.

   طباعة 
5 صوت